الشيخ محمد رشيد رضا
128
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ( والثالث ) أنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها في الذبح . بل يهلون بها لآلهتهم وحدها . وعن أبي وائل كانوا لا يحجون عليها فلا يلبون على ظهورها ، وقال مجاهد : كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم اللّه عليها ولا في شيء من شأنها لا ان ركبوا ولا ان حلبوا ولا ان حملوا ولا إن سحبوا ولا إن عملوا شيئا اه وجملة القول انهم قسموا أنعامهم هذا التقسيم الذي جعلوه من أحكام الدين فنسبوه إلى اللّه تعالى حكما وديانة افْتِراءً عَلَيْهِ أي قالوه أو فعلوه مفترين إياه أو افتروه افتراء واختلقوه اختلاقا واللّه بريء منه لم يشرعه لهم وما كان لغير اللّه أن يحلل أو يحرم على العباد ما لم يأذن به كما قال في آية أخرى ( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ؟ ) أي بل أنتم تفترون عليه . ولا يزال بعض الناس يحلون ويحرمون على أنفسهم وعلى الناس بأهوائهم أو تقليد بعض المصنفين من أوليائهم والمنتحلين لمذاهبهم ، إما موقتا بيمين أو نذر أو تنسك تصوف ، وإما تحريما مطلقا دائما ، وهم يجهلون على ادعائهم للعلم والدين ، انهم يتبعون بذلك المشركين الذين بينت هذه الآيات سوء حالهم ، وذيلت هذه الآية ببيان سوء مآلهم ، وهو قوله تعالى سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ أي سيجزون الجزاء الشديد الأليم بسبب هذا الافتراء القبيح * * * وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ هذا ضرب آخر من أحكامهم السخيفة في التحريم والتحليل وهو خاص بما في بطون بعض الانعام من اللبن والأجنة روى أن المراد بالانعام هنا البحائر وحدها أو هي والسوائب كانوا يجعلون لبنها للذكور ويحرمونه على الإناث وكانت إذا ولدت ذكرا حيا جعلوه خالصا للذكور لا تأكل منه الإناث وإذا كان ميتا اشترك فيه الذكور والإناث وإذا ولدت أنثى تركوها لأجل النتاج وبعض مفسري السلف لم يقيدوا هذه الانعام بالبحائر والسوائب فيمكن حمل المطلق على المقيد ، ويحتمل أنهم كانوا يقولون ذلك في أنعام أخرى يعينونها بغير وصف البحيرة أي مشقوقة الأذن والسائبة التي تسيب وتترك للآلهة فلا يتعرض لها أحد